18 - 09 - 2026

كلام والسلام | لو كان رجلا .. لقتلته!

كلام والسلام | لو كان رجلا .. لقتلته!

إذا قلت لمصرى غلبان مقهور مسكين: ماهى أولوياتك وطموحك في الحياة.. بعد هذا العمر الجميل التعس الذى عشته وعايشته في المحروسة؟

سينظر لك بأستغراب السؤال وصعوبة الأجابة!

شوف يا سيدى.. أما الطموح فخليه علي جنب. وأما الأولويات فهي بسيطة ولكنها عزيزة: أكلي وشربي يعني قوت يومى. والباقي علي الله!

يعني همك علي بطنك أولا!

ياسيدى.. العقول دون بطون ملآنة لاتعمل. والجوع كافر!

نعم.. الجوع كافر.

ومن لا يملك طعام يومه وشرابه.. فهو إنسان مقيد بلا حرية ولا أدمية من أصله!

وعبارة: “يا خفي الألطاف.. نجنا مما نخاف”.. قالها المصريون عبر تاريخهم آلاف المرات في استقبالهم للغزاة، وفى مواجهتهم للأزمات والكوارث.

ومن أكثر الكوارث التي واجهوها فتكا وقساوة (كما صورها تاريخ ابن إياس)؛ الشدة المستنصرية في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي.

انخفض منسوب المياه وجفت الأراضي الزراعية، وفقد الناس أعمالهم؛ وفقدت الأموال قيمتها. وازداد جشع التجار فاستغلوا المواقف العصيبة.. وسارعوا لتعطيش السوق وتخزين الغلال.

وذُكر.. أنه كان هناك زقاق يسمى “زقاق القتل”.. كانت المنازل فيه منخفضة؛ فعمل سكانها على إنزال الخطاطيف؛ يصطادون بها المارة ويأكلونهم! وأن امرأة باعت عقدا ثمينا؛ لتحصل على الدقيق؛ لكن الناس نهبوه منها؛ ولم يتبق لها منه سوى ما يكفي لخبز رغيف واحد. ووصلت الأزمة للمستنصر نفسه؛ فلم يعد هناك في حظيرته من الدواب شيء؛ وباع رخام قبور أجداده للحصول على الطعام . ووصل به الأمر إلى إنه أصبح مدينا بحياته لابنة أحد الفقهاء التي أطعمته تصدُقا برغيفين يوميا!

لذلك.. طلب العون من بدر الدين الجمالي؛ وبعد أن عُين الجمالي وزيرا؛ عمل على استتباب الأمن أولا في كل ربوع البلاد؛ ثم عمل على إصلاح نظام الري وقنواته التي فسدت واهتم بالزراعة؛ وجعل المحصول كله للفلاحين أول ثلاث سنوات؛ ثم طلب منهم الضرائب في السنة الرابعة.

وبعد سبع سنوات عجاف على مصر وأهلها؛ فاض نهر النيل من جديد.. وانقشعت الغمة.

وحال المصريين في عهود متتالية بين الأمل والألم.. هو أشبه بحال عبدالرؤوف في رواية خيري شلبي؛ التي كتبها منذ نحو ربع قرن بعنوان “بغلة العرش”، التي تحكي عن أهل قرية في منتصف سبعينيات القرن الماضي، ينتظرون على طريقة انتظار من لا يأتى.. ظهور بغلة العرش المحمّلة على ظهرها بالذهب، والتي سينتهي مشوارها في بيت الشخص المسعود، ولكن مع الذهب الذي تحمله؛ هناك رأس قتيل؛ وعلى الشخص المسعود أن يدفنها في بيته! وتظهر البغلة بحق وحقيق وعليها رأس القتيل؛ وتكون من نصيب عبدالرؤوف، ولكن بدلا من أن يصير غنيا مرصعا بالذهب المنشود؛ يجد نفسه متهما بجريمة قتل!

يعنى.. رضينا بالهم والهم مش راضي بينا.

وسبحانه وتعالي يقول: (الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).

ولكن من يسمع. ومن يقرأ.. والأهم: من يرحم؟
---------------------------
بقلم: خالد حمزة
[email protected]


مقالات اخرى للكاتب

كلام والسلام | لو كان رجلا .. لقتلته!